عثمان بن جني ( ابن جني )
179
الخصائص
بتخصيص العلّة فيها وفي أشباهها ؛ لأنه لم يحتط في وصف العلّة ؛ ولو قدّم الاحتياط فيها لأمن الاعتذار بتخصيصها . وذلك أنه إذا عقد هذا الموضع قال في علّة قلب الواو والياء ألفا : إن الواو والياء متى تحرّكتا وانفتح ما قبلهما قلبتا ألفين ؛ نحو قام ، وباع ، وغزا ، ورمى ، وباب ، وعاب ، وعصا ، ورحى ، فإذا أدخل " 1 " عليه فقيل له : قد صحّتا في نحو غزوا ، ورميا ، وغزوان ، وصميان " 2 " ، وصحّت الواو خاصّة في نحو اعتونوا ، واهتوشوا ، أخذ يتطلّب ويتعذّر فيقول : إنما صحّتا في نحو رميا ، وغزوا ؛ مخافة أن تقلبا ألفين فتحذف إحداهما فيصير اللفظ بهما : غزا ، ورمى ، فتلتبس التثنية بالواحد . وكذلك لو قلبوهما ألفين في نحو نفيان ، ونزوان ، لحذفت إحداهما ، فصار اللفظ بهما نفان ، ونزان ، فالتبس فعلان مما لامه حرف علّة بفعال مما لامه نون . وكذلك يقولون : صحّت الواو في نحو اعتونوا ، واهتوشوا ؛ لأنهما في معنى ما لا بدّ من صحّته ، أعنى تعاونوا وتهاوشوا . وكذلك يقولون : صحّتا في نحو عور ، وصيد ؛ لأنهما في معنى اعورّ ، واصيدّ ، وكذلك يقولون في نحو بيت الكتاب : وما مثله في الناس إلا مملّكا * أبو أمّه حىّ أبوه يقاربه " 3 " إنما جاز ما فيه من الفصل ( بين ما لا يحسن ) فصله لضرورة الشعر . وكذلك ما جاء من قصر الممدود ومدّ المقصور ، وتذكير المؤنث ، وتأنيث المذكّر ، ومن وضع الكلام في غير موضعه ؛ يحتجّون في ذلك وغيره بضرورة الشعر ، ويجنحون إليها مرسلة غير متحجّرة ، وكذلك ما عدا هذا : يسوّون بينه ، ولا يحتاطون فيه ، فيحرسوا أوائل التعليل له . وهذا هو الذي نتق " 4 " عليهم هذا الموضع حتى اضطرّهم إلى القول بتخصيص العلل ، وأصارهم إلى حيز التعذّر والتمحّل . وسأضع في ذلك رسما يقتاس فينتفع به بإذن اللّه ومشيئته . وذلك أن نقول في علّة قلب الواو والياء ألفا : إنهما متى تحرّكتا حركة لازمة
--> ( 1 ) أصابه الدّخل ، وهو الغش والعيب والفساد . ( 2 ) الصميان من الرجال : الشديد . ( 3 ) البيت من الطويل ، وهو للفرزدق في لسان العرب ( ملك ) ، ومعاهد التنصيص 1 / 43 . ( 4 ) نتق : حرّك .